السيد كمال الحيدري
433
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ذلك الصبيّ بشكل وآخر أن يستفيد منه ويسجّله في رسالته . وتتلخّص عملية الاستدلال في أنه كلّما لوحظت ظاهرة معيّنة ضمن عوامل وظروف محسوسة ولوحظ استقرائياً أن هذه العوامل والظروف المحسوسة في الحالات المماثلة لا تؤدّي إلى نفس الظاهرة ، فيدلّ ذلك على وجود عامل آخر غير منظور لابدَّ من افتراضه لتفسير تلك الظاهرة . وبكلمة أخرى : إن النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف والعوامل المحسوسة بحكم الاستقراء للحالات المماثلة ، كشفت عن وجود شيء غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة . وهذا ما يصدق تماماً على نبوّة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والرسالة التي أعلنها باسم السماء ، وذلك ضمن الخطوات التالية : الخطوة الأولى : إن هذا الشخص الذي أعلن رسالته على العالم باسم السماء ينتسب إلى شبه الجزيرة العربية التي كانت من أشدّ أجزاء الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضارية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة وهو قطر لم يمرّ حتى تاريخياً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أخرى محدّدة من تلك الجزيرة ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعية متكاملة . ولم ينلْ هذا القطر من ثقافة عصره على الرغم من انخفاضها عموماً شيئاً يذكر ، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم وتياراته الثقافية وقتئذ ، وكان منغمساً من الناحية العقائدية في فوضى الشرك والوثنية ، ومفكّكاً اجتماعياً تسيطر عليه عقلية العشيرة وتلعب فيه الانتماءات إلى هذه العشيرة أو تلك الدور الأساسي في أكثر أوجه